محمد بن عيسى الجابر والعراق: موقف إنساني ثابت في زمن الصمت


على مدار أكثر من عشرين عامًا، برز اسم الشيخ محمد بن عيسى الجابر كأحد الأصوات العربية النادرة التي اختارت الوقوف إلى جانب الشعب العراقي في أكثر مراحله قسوة، حين كان الصمت هو الموقف الغالب إقليميًا ودوليًا.

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وبينما كان العراق يرزح تحت وطأة حصار دولي خانق فرضه نظام صدام حسين والعقوبات الأممية الصارمة، اختفى التضامن الحقيقي مع معاناة العراقيين. غير أن الجابر اتخذ مسارًا مختلفًا، مدفوعًا بقناعة أخلاقية عميقة بأن ما يتعرض له الشعب العراقي يتجاوز الخلافات السياسية ويدخل في نطاق الكارثة الإنسانية.

العقوبات التي فُرضت بعد حرب الخليج، وبرنامج “النفط مقابل الغذاء” الذي أُطلق عام 1996، وضعا مقدرات العراق بالكامل تحت وصاية دولية مشددة. لم يكن مسموحًا للعراق بالتصرف في موارده النفطية أو الاقتصادية إلا وفق شروط صارمة، فيما ظل الغذاء والدواء شحيحين إلى حد يهدد حياة الملايين.

في هذا السياق، اعتبر الجابر أن الحصار يمثل خطرًا وجوديًا على العراق، مؤكدًا أن الحل لا يكمن في تخفيف العقوبات أو إدارتها، بل في إنهائها بالكامل. عبّر عن هذا الموقف بوضوح وفي محافل دولية، في وقت ندر فيه من يجرؤ على المجاهرة بمثل هذا الرأي. وفي حديث له بجامعة لندن عام 2006، أوضح أنه شعر بمسؤولية أخلاقية تحتم عليه الدفاع عن العراقيين، مؤكدًا أن بقاء الوضع على ما هو عليه كان أشبه بـ”بيع العراق بثمن بخس”.

هذا الخطاب الصريح جعله واحدًا من الأصوات العربية القليلة التي دعمت تغيير النظام كمدخل لإنهاء مزيج خانق من الديون والعقوبات والاستبداد. وبالنسبة له، لم يكن عام 2003 مجرد نقطة تحول سياسية، بل فرصة تاريخية لاستعادة العراق لسيادته وقراره وثرواته.

وبعد أكثر من عقدين، يرى الجابر أن العراق حقق تقدمًا ملحوظًا مقارنة بما كان عليه. فقد شهدت البلاد ست انتخابات برلمانية وست رئاسية، وتناوبًا على السلطة، في تجربة ديمقراطية ناشئة قلّما تتحقق بهذه السرعة في دول خرجت من عقود من الحكم الديكتاتوري والحروب. اقتصاديًا، ارتفع إنتاج النفط من نحو 1.5–2 مليون برميل يوميًا عام 2003 إلى أكثر من 6 ملايين برميل حاليًا، مع طموحات لتجاوز 8 ملايين بحلول 2030، فضلًا عن معالجة جزء كبير من الديون الضخمة التي قُدّرت آنذاك بنحو 860 مليار دولار.

لكن هذا المسار لم يكن بلا ثمن بالنسبة للجابر شخصيًا. فقد انخرط بحماس في مشاريع كبرى لإعادة إعمار العراق، واضعًا تصورًا متكاملًا لاستثمارات في المطارات والموانئ والطرق والطاقة، في مشروع قُدّرت قيمته بأكثر من 300 مليار دولار، وحظي بدعم ومتابعة شخصيات سياسية وعسكرية بارزة داخل العراق وخارجه.

إلا أن المشروع تعثر بحلول عام 2007، نتيجة عوامل إقليمية معقدة، أبرزها الرفض من بعض دول الجوار، إلى جانب الانسحاب الأمريكي المتسارع. انتهى الحلم دون أن يرى النور، وتكبد الجابر خسائر مالية ضخمة، دون أن يجني أي مكاسب أو امتيازات. وهو أمر تؤكده دوائر عراقية وغربية على حد سواء.

ظل التزامه قائمًا على المبدأ لا المنفعة: دعم استقلال العراق وازدهاره، حتى لو كان الثمن شخصيًا باهظًا. ويعتقد اليوم أن العراق تجاوز ما يقرب من 70% من التحديات التي واجهته بعد عام 2003، مستعيدًا جزءًا كبيرًا من كرامته وقدرته على تقرير مصيره.

وفي تقارير غربية غير معلنة، وُصف الجابر بأنه صاحب رؤية استثنائية وقدرة عالية على الصبر والاستشراف. وفي منطقة كثيرًا ما تطغى فيها الحسابات الضيقة، تظل تجربته مع العراق نموذجًا نادرًا للإيمان بالمبدأ، والاستعداد لتحمل الخسارة دفاعًا عن حق شعب في مستقبل أفضل.

أحدث أقدم